محاضرات التنظيم القضائي د حسنة الرحموني

 محاضرات التنظيم القضائي د حسنة الرحموني

التنظيم القضائي مع دراسة مستجدات مشروع القانون رقم 38.15 يتعلق بالتنظيم القضائي في ضوء قرار المحكمة الدستورية.
للدكتورة حسنة الرحموني
أستاذة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي
جامعة محمد الخامس بالرباط
 سنتناول دراسة قانون التنظيم القضائي الحالي مع مقارنته بمشروع القانون 15-38 في ضوء قرار المحكمة الدستورية.
و سنقتصر في هذه الدراسة على تناول المحاكم المنصوص عليها في الفصل الأول من قانون التنظيم القضائية واختصاصاتها (الباب الأول)، ثم نتعرض لدراسة الفئتين الأساسيتين المشكلتين للمحاكم، وهم القضاة وموظفي كتابة الضبط (الباب الثاني)،
 وقبل ذلك يجدر التطرق في فصل تمهيدي إلى القواعد التي تنظم سير العدالة أو ما يسمى بمبادئ التنظيم القضائي.
والجدير بالذكر أن الفصل الأول من ظهير التنظيم القضائية للمملكة ينص على مايلي :
يشمل التنظيم القضائي المحاكم التالية :
المحاكم الابتدائية؛ المحاكم الإدارية؛ المحاكم التجارية؛ محاكم الاستئناف؛ محاكم الاستئناف الإدارية؛ محاكم الاستئناف التجارية؛ محكمة النقض.
للتحميل بصيغة PDF




جامعة الحسن الأول – سطات

كلية العلوم القانونية والسياسية

 

 

محاضرات في مادة التنظيم القضائي

 

إعداد          

ذ/ عبد اللطيف العاشري

 السنة الجامعية : 2020-2021 

تمهيد

إن الخوض في دراسة موضوع التنظيم القضائي يقتضي بالضرورة التطرق لتعريفه وتطوره التاريخي.

 

تعريف التنظيم القضائي

ينصرف مفهوم التنظيم القضائي للمبادئ والأحكام المتعلقة بكيفية تنظيم المؤسسات والأطر القانونية، التي خولها المشرع صلاحية البت في النزاعات وفقا للقانون، وما يستتبع ذلك من تحديد لأنواعها وأصنافها ودرجاتها وتنظيمها ومراقبتها وتفتيشها.

كما يعنى التنظيم القضائي، ببيان القضاة المناط بهم مهام الحكم، وكذا الأجهزة الإدارية وغير الإدارية التي تشاركهم في العملية القضائية، من محامين وموظفي كتابة الضبط ومفوضين قضائيين وخبراء وتراجمة.

بصيغة أوضح ، يعرف التنظيم القضائي بكونه ذلك الإطار القانوني الذي يحدد قواعد وأسس الوظائف القضائية بشكل عام، وذلك من خلال بيان وتنظيم المحاكم وتأليفها واختصاصاتها وطريقة اشتغالها، علاوة على القواعد المنظمة لسير وعمل العنصر البشري من قبيل القضاة والمساهمين في العملية القضائية.

نبذة موجزة عن التطور التاريخي لجهاز التنظيم القضائي بالمغرب

لا شك أن اختلاف مصالح الأفراد والجماعات تترتب عنها نزاعات وخصومات، التي تحتاج إلى وسائل وآليات لفضها، وإرجاع المظالم إلى أصحابها، وذاك لا يكون إلا من خلال جهاز العدالة.

إن مؤسسة العدالة ضاربة جذورها في التاريخ البشري، إذ لا يمكن أن تستغني عنها أمة من الأمم مهما كان نظامها السياسي أو دينها أو عقيدتها أو إيديولوجيتها أو مستوى تطورها ودرجة انحطاطها لارتباط ذلك باستتباب الأمن وإقامة العدل بين الناس إذ اعتبر الأخير أساسا للحكم.

والمغرب باعتباره أمة عريقة- لديها تقاليد راسخة في إرساء العدالة  -عرف تنظيمها القضائي تطورات مطردة سواء قبل الإسلام أو بعده وسواء بعد دخوله تحت الاستعمار أو بعده.

لقد عمل المشرع المغربي منذ السنوات الأولى للاستقلال على ترسيخ مبدأ السيادة على أراضيه، ووضع بين أهدافه الأساسية تقريب القضاء من المتقاضين، بإنشائه لمؤسسات قضائية تفصل بين المتنازعين.  

هكذا إذن، وبعد  نيل المغرب لاستقلاله وتحرره من الاستعمارين الفرنسي والاسباني، حاول التأسيس لنظام جديد بديل عن النظام السابق المتسم بالتبعية وانعدام التنظيم، إذ قام بإحداث وزارة العدل بمقتضى ظهير 16-10-1956، تشرف على قطاع القضاء ، بما يعنيه ذلك من السعي نحو ضمان استقلاليته إزاء السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتجسيدا للاستقلالية المنوه إليها، فقد صد ظهير  07- 03 – 1956، حيث ألغى الاختصاصات المخولة لرجال السلطة الإدارية،علاوة على صدور ظهير 04/04/1956 بتوحيد  مرفق القضاء من خلال إحداث المحاكم العادية، التي أصبحت لبنة أساسية في صرح القضاء المغربي ، تختص بالنظر في جميع القضايا سواء كانت مدنية ، تجارية أم جنائية، ليكون بهذا الإنجاز قد ألغى عمليا المحاكم العرفية، وإحلال محاكم المفوضين مكانها التي غير إسمها ، فأصبح يطلق عليها محاكم السدد بموجب ظهير 16 – 12 – 1957.

واستمر المغرب المستقل في تعزيز بناء صرحه القضائي، بإنشاء المجلس الأعلى للقضاء بموجب ظهير 27-09-1957 علاوة على قانون التعريب، التوحيد والمغربة، الذي عمل على توحيد جميع محاكم المملكة إذ أصبحت تتكون من الجهات القضائية التالية:

§        محاكم السد

§        المحاكم الإقليمية

§        محاكم الإستئناف

§        المجلس الأعلى

وقد اعتبرت سنة 1974 مرحلة فارقة في تحديد معالم التنظيم القضائي بالمغرب، بعد دخول ورش الإصلاح القضائي حيز التنفيذ إذ تم الإقدام على الخطوات التالية:

§        إلغاء محاكم السدد وإحداث محاكم الجماعات والمقاطعات للبت في القضايا البسيطة.

§        إلغاء المحاكم الإقليمية والمحاكم الاجتماعية، وإحداث المحاكم الابتدائية كمحاكم ولاية عامة بالمقابل.

§        إصدار القانون المتعلق بالنظام الأساسي لرجال القضاء.

§        إلغاء قانون المسطرة المدنية لسنة 1913، وإصدار قانون جديد لتبسيط قواعد المسطرة.

لكن سيتبين فيما بعد – وبحكم التطورات الاقتصادية والاجتماعية وبروز نظامي عالمي جديد - أن التنظيم القضائي المعمول به يحتاج إلى تعديل فتم :

§        إحداث المحاكم الإدارية سنة 1993 ثم محاكم الاستئناف الإدارية سنة 2006.

§        إحداث المحاكم التجارية، والغرفة التجارية بالمجلس الأعلى سنة 1997 (محكمة النقض حاليا).

§        إحداث أقسام قضاء الأسرة سنة 2004 بموازاة صدور القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 5 /2/2004.

§        إحداث محاكم ابتدائية مدنية ومحاكم ابتدائية اجتماعية ومحاكم ابتدائية زجرية سنة 2011

§        إحداث  أقسام الجرائم المالية ببعض محاكم الاستئناف وهي : الرباط ، الدار البيضاء، فاس مراكش وذلك بموجب مرسوم رقم 2.11.445 بتاريخ 4/11/2011

§        إحداث غرف استئنافية بالمحاكم الابتدائية، بخصوص بعض القضايا المدنية والقضايا الزجرية سنة 2011.

§        إلغاء المحكمة الخاصة للعدل وتوزيع قضاياها على بعض محاكم الاستئناف سنة 2004

§        إحداث المحاكم المالية من خلال المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات سنة 2002.

§        إعادة تنظيم القضاء العسكري بجعل المحكمة العسكرية محكمة متخصصة سنة 2014بدلا من طابعها العسكري.

وبغية ملائمة التنظيم القضائي مع المستجدات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، فقد بدأ الشروع في إدخال تعديلات واسعة عليه، بموجب مشروع  القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي والذي يشتمل على 120 مادة ( مقابل 28 فصلا في القانون الجاري به العمل)، موزعة على أربعة أقسام :

القسم الأول : يتعلق بمبادئ  وقواعد التنظيم القضائي وحقوق المتقاضين، ويتضمن ثلاثة أبواب الأول منها يهم بالأساس مبادئ التنظيم القضائي تضمن وقواعد عمل الهيآت القضائية، والثاني يتعلق بمنظومة تدبير محاكم أول درجة وثاني درجة وتنظيمها الداخلي، أما الباب الثالث فيتعلق بمحكمة النقض.

القسم الثاني : فيتعلق بتأليف المحاكم وتنظيمها واختصاصها، ويتضمن ثلاثة أبواب، الأول منها يتعلق بمحاكم أول درجة والثاني بمحاكم ثاني درجة والثالث يتعلق بمحكمة النقض.

القسم الثالث : يتعلق بالتفتيش والإشراف القضائي على المحاكم ويتضمن بابين، الأول يتعلق بتفتيش المحاكم ويتعلق الثاني بالإشراف القضائي على المحاكم

القسم الرابع : أحكام ختامية وانتقالية.

وقد تضمنت هذه المقتضيات تعديلات شكلية وأخرى موضوعية نوردها كالآتي:

مستجدات مشروع  القانون رقم 38.15 من حيث الشكل:

تتلخص مستجدات المشروع المذكور فيما يلي :

§        تجميع شتات النصوص القانونية المنظمة بقضاء القرب والمحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية والمحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية ، في إطار قانون التنظيم القضائي عوضا عن الإبقاء عليها متفرقة في نصوص خاصة ، لكن مع الأخذ في الحسبان، نقل باقي الأحكام المتعلقة بالإجراءات والاختصاص، المرتبط بالجهات القضائية، إلى كل من قانون المسطرة المدنية وقانون المسطرة الجنائية.

§        لكن هنالك ملاحظة أساسية، ترتبط بمدى قدرة قانون المسطرة المدنية على استيعاب الخصوصيات التي تتميز بها المنازعات التجارية والإدارية.

§        أصبح المغرب بموجب المشروع محل الدراسة، يتوفر على مدونة خاصة بالتنظيم القضائي، وبالتالي فإن هذا التعديل – لو اكتمل- سيعزز الترسانة القانونية بقانون أكثر تقدما من سابقه.

 

أما بخصوص مستجدات مشروع التنظيم القضائي على مستوى المضمون فهي تتلخص كالأتي:

§        ارتكاز مقومات التنظيم القضائي في ظل هذا المشروع على مبدأ استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية والتنفيذية وعلى التعاون مع وزارة العدل فيما يتعلق بالتسيير الإداري للمحاكم.

§        التفصيل في حقوق المتقاضين: من خلال النص على حالات تجريح ومخاصمة القضاة، وكيفية ممارسة حق التقاضي والمساعدة القضائية والقانونية، والتعويض عن الخطأ القضائي، مع النص كذلك على تيسير الوصول للمعلومة القانونية والقضائية وتمكين المتقاضين من تتبع إجراءات قضاياهم عن بعد في احترام تام للمعطيات الشخصية للأفراد وحمايتها.

§        التنصيص على أن أحكام قضاة هيئة القضاء الجماعي تصدر بالإجماع أو الأغلبية، بعد دراسة القضية والتداول فيها سرا، مع إمكانية تضمين وجهة نظر القاضي المخالف بمبادرة منه في محضر سري خاص موقع عليه من قبل أعضاء الهيئة، يحتفظ به لدى رئيس المحكمة المعنية ضمن سجل خاص، وهنا يثار تساؤل عن سبب عدم رفع السرية على المحضر الذي يتضمن الرأي المخالف بعد انصرام مدة من الزمن، على اعتبار أن هذا الرأي يمكن أن تكون له قيمة قانونية ويساهم في تطوير قاعدة قانونية معينة.

§        التنصيص على اعتبار اللغة العربية لغة التقاضي والمرافعات أمام المحاكم وصياغة الأحكام مع العمل على تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

§        اعتماد المحاكم للإدارة الالكترونية للإجراءات والمساطر القضائية المادة 25 من المشروع.

§        توسع دور الجمعية العامة للمحكمة ليشمل جميع القضايا التي تهم سير العمل بالمحكمة.

§        التنصيص على وحدة كتابة الضبط على صعيد المحكمة، كما تم النص على أن وزارة العدل تتولى الإشراف الإداري والمالي على المحاكم بتنسيق وتعاون مع المسئولين القضائيين.

§        إحداث منصب الكاتب العام للمحكمة ، يعهد إليه بمجموعة من المهام تنصب على ضبط عمل مختلف مصالح كتابة الضبط العاملين بها ، ويخضع هذا الكاتب إداريا لسلطة ومراقبة الوزير المكلف بالعدل.

§         على مستوى تكوين مختلف المحاكم، تم حذف غرف الاستئناف بالمحاكم الابتدائية ، إمكانية اشتمال بعض المحاكم على أقسام متخصصة في القضاء التجاري والقضاء الإداري ، وهذا الأمر سيطرح إشكالا يتعلق بالضمانات التي ستعطى لهاته الأقسام لتكون مستقلة، ولتشكل جهة قضائية كل جهة قضائية دارية.

§        توسيع  مجالات القضاء الفردي في ميدان الأسرة ليشمل قضايا الطلاق الاتفاقي والنفقة وأجرة الحضانة والرجوع إلى بيت الزوجية وقضايا الحالة المدنية.

§        التنصيص على تمثيل النيابة العامة في المحاكم التجارية بنائب أو نواب الملك يعينهم وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية التي توجد بدائرتها المحكمة التجارية.

§        اعتبار محكمة النقض أعلى هيئة قضائية بالمملكة تسهر على مراقبة التطبيق السليم للقانون وتوحيد الاجتهاد القضائي كما تم إضافة غرفة سابعة إلى غرف محكمة النقض وهي الغرفة العقارية.

 

هذا ومن أجل دراسة موضوع التنظيم القضائي بالمغرب، فإنه لا مناص من تقسيم الموضوع إلى أربعة فصول :

 

الفصل الأول : المبادئ  الأساسية للتنظيم القضائي

الفصل الثاني  :  المحاكم العادية

الفصل الثالث : المحاكم المتخصصة

الفصل الرابع : المحكمة العسكرية والمحكمة الدستورية  

 

الفصل الأول : المبادئ الأساسية للتنظيم القضائي

إن دراسة المبادئ الأساسية للتنظيم القضائي، تقتضي التطرق لمبادئ التنظيم القضائي الضامنة للمحاكمة العادلة ( المبحث الأول) ولمبادئ التنظيم القضائي الضامنة لنزاهة وحياد التقاضي ( المبحث الثاني).

 

المبحث الأول : مبادئ التنظيم القضائي الضامنة للمحاكمة العادلة

ترتكز مبادئ التنظيم القضائي الضامنة للمحاكمة العادلة على حق التقاضي أو مبدأ حرية اللجوء للقضاء ، ( أولا)  وألا يكون المتقاضون ملزمون بدفع أي مقابل مادي على لجوءهم إلى القضاء أو ما يسمى بمبدأ مجانية القضاء ( ثانيا) كما تعد من المبادئ الأساسية للتنظيم القضائي التي كفلها الدستور وأقرتها المواثيق والشرائع الدولية، مبدأ مساواة المتقاضين أمام القضاء (ثالثا) وإذا كان الحق في اللجوء إلى القضاء من المبادئ الأساسية، فإن  مبدأ تعدد درجات التقاضي لا يقل عنه أهمية  (رابعا )  علاوة على تكريس مبدأ علنية الجلسات وشفوية المرافعات كعامل إيجابي في تحقيق محاكمة عادلة  (خامسا) أسوة بالمرافعة الكتابية التي أصبحت من المبادئ الأساسية للتقاضي ( سادسا) دون أن ننسى مبدأ تسبيب الأحكام أو تعليلها كأحد العناصر المؤثرة في تحقيق المحاكمة العادلة (سابعا) حيث أثير الجدل بخصوص أي الأسلوبين أجدى في تحقيق المحاكمة العادلة،القضاء الفردي أم القضاء الجماعي (ثامنا) وقبل هذا وذاك تثار أحيانا تساؤلات حول مدى اعتبار القضاء المغربي موحدا أم ذا طابع متعدد ( تاسعا)

 

 

 

 

أولا : حق التقاضي أو مبدأ حرية اللجوء للقضاء

حق التقاضي مضمون دستوريا،وهو من المبادئ الأساسية للتنظيم  القضائي، يقصد به أن كل شخص يحق له اللجوء إلى القضاء للمطالبة بحقوقه، شريطة ألا يكون سيئ النية، وهذا ما نص عليه صراحة الفصل 5 من قانون المسطرة المدنية '' يجب على كل متقاض ممارسة حقوقه طبقا لقواعد حسن النية''

وكذلك نص الدستور النافد في الفصل 118 على '' حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون''، بمعنى أن كل شخص كيفما كانت جنسيته عجوز أو شاب فقير ، غني ... له الحق في اللجوء إلى القضاء طلبا لحمايته (مع الأخذ بعين الاعتبار حالات انعدام ونقصان الأهلية القانونية) أن يمارس حقه في التقاضي.

لكن هذا المبدأ لا يؤخذ على إطلاقه، إذ هناك إكراهات تتعلق باللجوء إلى القضاء كمصاريف التنقل إلى المدينة التي تتواجد بها المحكمة المختصة في ذلك النزاع.

 

ثانيا : مبدأ مجانية القضاء

المقصود بهذا المبدأ أن القاضي لا يتقاضى أجرا من المتقاضين عند بته في نزاع معين، بل إن الدولة
هي التي تتولى تسديد أجره، ويعتبر هذا المبدأ تكريسا لمبدأ المساواة أمام القضاء، فإذا كان هذا
الأخير يتيح لجميع أفراد المجتمع الاستفادة من خدمات القضاء، بغض النظر عن جنسية المتقاضين
أو دينهم أو عرقهم أو مركزهم الاجتماعي، فإن مبدأ مجانية القضاء يستهدف بالخصوص، الجانب
الاجتماعي للمتقاضين، أي أنه يؤكد على مساواة المتقاضين أمام القضاء، بغض النظر عن مركزهم
الاجتماعي فقراء كانوا أم أغنياء، هذا المبدأ لا يمكن أن نفهم من خلاله أن المتقاضين لا يؤدون أي مبلغ
نتيجة قيامهم بمباشرة الدعاوى أمام القضاء، بل على العكس من ذلك فهم يتحملون العديد من المصاريف والتي يتحملها كل طرف خسر الدعوى، بصريح الفصل 124من قانون المسطرة المدنية والذي جاء "يحكم بالمصاريف على كلطرف خسر الدعوى سواء كان من الخواص أو إدارة عمومية.

 يجوز الحكم بحسب ظروف القضية بتقسيم المصاريف بين الأطراف كلا أو بعضا".

ولعل الهدف من إقرار هذه المصاريف، هو فرض نوع من الرقابة الفعلية والقبلية على المتقاضين، حتى
يضفى على طلباتهم الجدية المطلوبة والكف عن الدعاوى الكيدية، التي من الممكن أن يلجأ إليها
الأطراف بشكل تعسفي، وهذه الغاية تتحقق أيضا بالحكم على الطرف الذي خسر الدعوى.

استخلاص الرسوم القضائية يتم بشكل مسبق وهذا ما أكده الفصل 5 من المرسوم الملكي رقم
851.65
بتاريخ 7 رجب 22 ( 1386 أكتوبر ) 1966بمثابة قانون يوحد وينظم بموجبه استخلاص
الأداءات والصوائر العدلية في المسائل المدنية والتجارية والإدارية لدى محاكم الاستئناف والمحاكم
الأخرى بالمملكة، والذي جاء فيه "كل شخص يقيم دعوى أمام المحاكم أو يطلب تحرير عقد غير
توثيقي أو تبليغ إعلام أو القيام بإجراء قضائي أو يطلب تسليم نسخة أو ترجمة وبصفة عامة كل
شخص يلجأ إلى كتابة الضبط بإحدى المحاكم أو إلى أحد مكاتبها من أجل إجراء شكلي كيفما كان
نوعه أو يستفيد من أعمالها يجب أن يدفع أداء يدعى : " الأداء القضائي."

 ويطالب بهذا الأداء مسبقا ماعدا في الحالات المنصوص عليها في الفصل العاشر، ويحسب تبعا للمبالغ والقيم درهما فدرهما بإدخال الغاية ومن غير تجزئة".

الحالات المعفية من أداء المصاريف:

 أعفى المشرع المغربي بعض الفئات من أداء المصاريف التي تتطلبها الدعوى من بدايتها إلى نهايتها،
أهمها نجد:

§        المصابون في حادثة شغل أو ذووا حقوقهم طبقا للفصل 282من قانون المسطرة المدنية و المادة
183
من القانون رقم 18.12المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل "يتحمل المشغل أو مؤمنه، بحكم القانون، الصوائر القضائية ومصاريف المساعدة القضائية الممنوحة للمصابين بحوادث الشغل طبقا لأحكام النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.

§        كما يتحمل المشغل أو مؤمنه جميع المصاريف غير المنصوص عليها في هذا القانون والتي يتطلبها تنقل المصاب من أجل تلقي العلاج أو إجراء الفحوصات والخبرة الطبية".

§        التقاضي أمام أقسام قضاء القرب بصريح المادة السادسة منه ( )42.10التي تنص على أنه  "تكون المسطرة أمام قسم قضاء القرب شفوية. وتكون مجانية ومعفاة من الرسوم القضائية بخصوص الطلبات المقدمة من طرف الأشخاص الذاتيين"

§        طلب الإلغاء بسبب تجاوز السلطة: المادة 22من القانون المحدث للمحاكم الإدارية.

§        الدفع بعدم الإختصاص النوعي أو المكاني أمام المحاكم الإبتدائية وأمام المحاكم الإدارية تطبيقا
للفقرة الرابعة من الفصل 16من قانون المسطرة المدنية.

§        نزاعات الشغل بصريح المادة 273من قانون المسطرة المدنية.

§        استئناف كافة الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية؛ الفقرة الثانية من المادة 10من القانون رقم
.80.03

§        الفصل 32من ظهير التحفيظ العقاري.

 

ثالثا: مبدأ مساواة المتقاضين أمام القضاء

يقصد بمبدأ مساواة المتقاضين أمام القضاء هو أن يكون لجميع الأفراد على السواء الحق في نفس الحماية القانونية.

يعني كذلك التزام القاضي بمبادئ النزاهة والاستقلالية والحياد.

أيضا يعني تعامل القاضي مع جميع أطراف النزاع في إطار ما يلزمه به القانون باستقلالية، إذ بناء على ذلك يلتزم القاضي بسماع جميع الأطراف قبل الحكم في القضية، وليس من الضروري أن يتلقى كلامهم شفويا بل أيضا يتلقاه من خلال المذكرات.

ومن أجل ضمان مبدأ المساواة هذا، نص قانون المسطرة المدنية على مجموعة من المساطر الخاصة،التي تهدف إلى الالتزام المساواة، كمثال الإجراء الخاص بتجريح القضاة ( الفصل 295 و 299، الإجراءات الخاصة بمخاصمة القضاة (الفصل 391).

 

رابعا : مبدأ التقاضي على درجتين /مبدأ تعدد درجات التقاضي

يقصد به أن يكون للمتقاضي، فرصة رفع الدعوى أمام محكمة أولى وهي المحكمة الابتدائية، ثم محكمة أعلى درجة وهي محكمة الاستئناف، لكن بعد أن  تصدر محكمة أول درجة حكمه.

وتعتبر المحكمة الابتدائية والمحكمة التجارية، والمحكمة الإدارية محاكم الدرجة الأولى ، أما محاكم الاستئناف فهي محكمة الاستئناف بالنسبة للمحاكم الابتدائية، ومحكمة الاستئناف الإدارية بالنسبة للمحاكم الإدارية، ومحكمة الاستئناف التجارية بالنسبة للمحاكم التجارية.

أما بالنسبة لمحكمة النقض، فلا تعتبر درجة ثالثة من درجات التقاضي، لأن دورها يقتصر على مدى موافقة الحكم للقانون.

مبدأ التقاضي على درجتين يترجم على أرض الواقع باستخدام وسائل معينة، وهي طرق الطعن في الأحكام والقرارات القضائية، ومعلوم أن هناك نوعين من طرق الطعن ، طرق الطعن العادية كالتعرض والاستئناف وهناك طرق الطعن غير العادية كالطعن بالنقض وإعادة النظر.

من سلبيات هذا المبدأ

§        الزيادة في المصاريف

§        إطالة أمد التقاضي

§        تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية

أما إيجابيات هذا المبدأ

§        تخويل المتقاضي فرصة تقديم حججه في المرحلة الثانية إذا لم تكن له فرصة تقديمها في المرحلة الأولى.

§        يخول  ضمانات كافية  للمتقاضين على أن قضاياهم تدرس في مرحلتين كما يمكن- بالمقابل- محكمة ثاني درجة من الدراسة الجديدة للقضية، ومن بسط رقابتها على أحكام المحكمة الأولى وتشجيع هذه الأخيرة على الاجتهاد أكثر.

§         

خامسا: مبدأ علنية الجلسات وشفوية المرافعات

1- مبدأ علنية الجلسات

نص الدستور النافد على هذا المبدأ بموجب الفصل 193 '' تكون الجلسات علنية ما عدا في الحالات التي يقرر فيها القانون خلاف ذلك''.

كما ورد النص على هذا المبدأ بموجب الفصل 43 من قانون المسطرة المدنية '' تكون الجلسات علنية إلا إذا قرر القانون خلاف ذلك''.

ونص المشرع في قانون المسطرة الجنائية على ما يلي : '' يجب تحت طائلة البطلان أن تتم إجراءات البحث والمناقشات في جلسة علنية، ماعدا في الحالات المنصوص عليها في المادتين 301 و 302 بعده''.

كما تنص على هذا المبدأ المادة287  من ق ج '' لا يمكن للمحكمة أن تبني مقررها إلا على حجج عرضت أثناء...''

كما ورد في المادة 7 في فقرتها الأولى من القانون 42.10 المتعلق بقضاء القرب : '' تكون جلسات أقسام قضاء القرب علنية''.

من ذلك أيضا ما نصت عليه المادة الثالثة من قانون 08.03 المحدث لمحاكم الاستئناف الإدارية.

لكن يلاحظ أن القانون رقم 53.95  المحدث للمحاكم التجارية لم ينص صراحة على علنية الجلسات، وهذا لا يعني أن الجلسات سرية، لأنه ليس هناك نص صريح يقضي بسرية الجلسات التي تعقدها المحاكم التجارية، وبالتالي فالقاعدة المقررة هي علنية الجلسات وفقا للدستور وقانون المسطرة المدنية، سيما وأن قانون إحداث المحاكم التجارية، أحال في هذا الشأن على قواعد المسطرة المدنية.

المقصود بمبدأ علنية الجلسات

علنية الجلسات تعني السماح للمواطنين بحضور الجلسات، سواء بالنسبة لتتبع المرافعات (المحامين) أو النطق بالحكم (القضاة) وهذا يؤدي إلى بعث الطمأنينة في نفوس المواطنين.كما يشجع القاضي على الاجتهاد في حكمه لأنه سيكون أمام الملأ.

الحالات التي تكون فيها الجلسات سرية.

تكون الجلسات سرية في حالات خاصة قدر المشرع أن إعلان ما يدور في للعموم من شأنه الإضرار سواء بالنظام العام أو الأخلاق الحميدة.

من قبيل جعل سرية الجلسات بداعي الحفاظ على النظام العام طبقا لما ورد في الفصل 43 من قانون المسطرة المدنية في فقرته الثانية إذ تنص : '' لرئيس الجلسة سلطة حفظ النظام بها ويمكنه أن يأمر بأن تكون المناقشة في جلسة سرية إذا استوجب ...''

كذلك منع حضور الأحداث، إذا كان من المنتظر أن تعرض الجلسة مواضيع لا تناسب سنهم، المادتين 301 و 302 من قانون المسطرة الجنائية.

غير أنه في جميع الحالات وحتى في حالة انعقاد الجلسات  بشكل سري وإجراء المناقشات على هذا الوجه، فإن الأحكام ينبغي أن تتم في جلسة علنية، أي أن ينطق القاضي بالحكم أمام الجمهور الحاضر للجلسة تحت طائلة الحكم ببطلان الحكم.

2- مبدأ شفوية المرافعات

يقصد بمبدأ شفوية المرافعات تمكين الخصوم من شرح نزاعهم بشكل مباشر، أمام المحكمة
واستماعها إليهم سواء بالحضور الشخصي أو بحضور وكلائهم وكذلك حضور الشهود مع إمكانية
الاستعانة بالخبراء، كل ذلك من أجل أن يُكون القاضي قناعته قبل النطق بالحكم، ويعتبر هذا المبدأ
مكملا لمبدأ علنية الجلسات ووسيلة قوية لإقناع القاضي بالتفاصيل الأساسية في النزاع، هذا المبدأ
يسود بشكل كبير في المادة الجنائية، حيث لا يمكن للمحكمة تبني مقرراتها إلا على حجج عرضت
أثناء الجلسة، ونوقشت شفهيا وحضوريا طبقا لأحكام المادة 287 من قانون المسطرة الجنائية،
والملاحظ أن مبدأ شفوية الجلسات، بدأ يتراجع  بشكل كبير حيث يمكننا القول أنه أصبح استثناء والأصل هو أن تكون المسطرة كتابية، فبالإضافة إلى الحالة المنصوص عليها في المادة 287من قانون المسطرة
الجنائية " لا يمكن للمحكمة أن تبني مقررها إلا على حجج عرضت أثناء الجلسة ونوقشت
وحضوريا ًأمامها"، نجد الحالة الأخرى المنصوص عليها في المادة 6من القانون رقم 42.10التي تنص صراحة على أن المسطرة أمام أقسام قضاء القرب تكون شفوية.

§        الفصل 45من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على أن المسطرة كتابية واستثناء تكون شفوية؛

§        الفقرة الأولى من المادة 14من القانون 53.95 المتعلق بالمحاكم التجارية ثم الفقرة الثانية من المادة الرابعة من القانون المحدث للمحاكم الإدارية رقم90.41.

§        المادة 10من القانون 80.03المتعلق بمحاكم الاستئناف.

 

سادسا : المرافعة الكتابية

أصبحت المسطرة الكتابية هي الأصل، بعدما كانت شفوية، وهذا يتضح لنا من خلال الفصل 45 ن ق م م '' تطبق أمام المحاكم الابتدائية وغرف الاستئناف بها قواعد الكتابة المطبقة أمام محاكم الاستئناف''.

وهكذا أصبحت المسطرة الشفوية هي الاستثناء، ورد في الفقرة الثالثة من الفصل 45 من قانون المسطرة المدنية '' المسطرة تكون شفوية في القضايا التالية:

1- القضايا التي تختص فيها المحاكم الابتدائية ابتدائيا وانتهائيا.

2- قضايا النفقة والطلاق والتطليق

3-   القضايا الاجتماعية

يمكن تبسيط مفهوم المسطرة الكتابة بأن ترفع الدعوى أمام المحكمة المختصة، بمقال مكتوب موقع من طرف المدعي أو من طرف  محام مسجل في هيئة من هيآت المحامين بالمغرب.

وإذا رفعت الدعوى إلى محكمة النقض، يجب أن ترفع من طرف محامي مقبول للترافع أمام محكمة النقض.

والمسطرة الكتابية تتابع أمام محاكم الاستئناف ومحكمة النقض بنص الفصول 354 و 356 و 362 إلى غاية الفصل 366 من قانون المسطرة المدنية.

كما تكون المسطرة كتابية أمام المحاكم التجارية الابتدائية والاستئناف التجارية، طبقا لما تنص عليه الفقرة الأولى من المادة 14 من القانون رقم53.95 المتعلق بالمحاكم التجارية، إذ ورد فيها : '' ترفع الدعوى أمام المحكمة التجارية بمقال مكتوب يوقعه محامي بهيئة من هيآت المحامين بالمغرب''.

والمسطرة الكتابية مقررة أمام المحاكم الإدارية بصريح الفقرة 2 من المادة 4 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية عدد 90-41.

 كما تنص الفقرة الأولى من المادة 10 من القانون رقم 80.03 المتعلق بمحاكم الاستئناف الإدارية على أن المسطرة كتابية أمام القضاء العادي والقضاء المتخصص.

سابعا : مبدأ تسبيب الأحكام

هذا المبدأ يلزم القاضي بذكر الحيثيات أي الأدلة التي كونت لديه قناعة من أجل إصدار الحكم.

فتسبيب الأحكام يعني ذكر الأسباب التي كونت لدى القاضي قناعة تامة بإصدار منطوق الحكم، والقانون يلزم أن تكون الأحكام معللة تعليلا كافيا من الناحيتين القانونية والقضائية، وقد نصت المقتضيات المتعلقة بمحكمة النقض على أن الأحكام يجب أن تكون معللة تعليلا كافيا، وأن عدم كفاية التعليل يوازي انعدامه.

ثامنا : القضاء الفردي والقضاء الجماعي

تختلف التشريعات في اعتماد القضاء الفردي أو الجماعي، إذ من التشريعات من يأخذ بنظام تعدد القضاة، كما هو الشأن بالنسبة للدول اللاتينية، فيما تأخذ تشريعات أخرى بنظام القضاء الفردي كما هو شأن الدول الانكلوساكسونية.

فالنظام الأنكلوساكسوني ( الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة مثلا) ينبني على قاعدة تشكيل المحكمة من قاض واحد يقوم بمفرده بالنظر في المنازعات المعروضة على أنظاره قصد البت فيها.

خلافا لذك، تتشكل المحكمة في القضاء الجماعي من عدد من القضاة يزيد عددهم عن الواحد إذ يكون في  الغالب ثلاثة (3) قضاة أو خمسة (5) قضاة.

هذا ومن أجل دراسة هذه الجزئية من المحاضرات، فإننا سنحاول التطرق لمزايا وعيوب كل من القضاء الفردي والقضاء الجماعي، وكذا لموقف المشرع المغربي من القضاء الفردي والقضاء الجماعي.

 

v   مزايا القضاء الفردي

من مزايا القضاء الفردي أنه يحقق سرعة البت في المنازعات، إذ أن القضاء الفردي يمكن من توزيع القضاة وقيام كل واحد منهم بعدد معقول من القضايا، وبالتالي عدم تأخر البت في النزاع.

وتتجلى محاسن القضاء الفردي في كون القاضي الذي يبت في النزاع، يكون أكثر شعور بالمسؤولية وهذا ما يحمله على التروي في البت في الملفات مع إمعان النظر والتدقيق في البحث، خاصة أنه يدرك أن أي نقد للحكم الذي أصدره سيعزى إليه وحده دون غيره، إذ لا يستطيع أن يحتج بكونه كان له موقف مخالف لباقي أعضاء هيئة الحكم، كما هو الشأن في القضاء الجماعي.

إجمالا يمكن القول بأنه من مزايا القضاء الفردي :

§        سرعة البت في القضايا

§        قلة المصاريف التي يقتضيها تصريف القضايا

§        سرعة البت في القضايا

§        قلة التحملات التي يقتضيها تصريف القضايا

§        الدفع بالقاضي إلى تكوين نفسه في مجال تخصصه وتحسين جودة الأحكام التي يصدرها.

v   سلبيات ونواقص القضاء الفردي

من مظاهر سلبيات القضاء الفردي احتمال تضرر مصالح الأطراف، سيما إذا كان القاضي لا يزال حديث العهد بوظيفة القضاء متخرج لتوه من معهد تكوين القضاة ، بحيث قد تسند إليه قضايا على جانب كبير من الأهمية، وهو لا يدرك الطريقة المثلى للبت في هذه النوازل لقلة تجربته، فضلا عن إمكانية التأثير عليه.

كما يمكن أن يكون لنظام القاضي الفرد أثرا سلبيا يتمثل في ضعف العطاء من حيث الكيف لعدم إمكانية التشاور والتداول، ولأن فرص تبادل الرأي غير متوفرة.

v    مزايا القضاء الجماعي

يتميز القضاء الجماعي بمجموعة من الإيجابيات، إذ يعطي الفرصة لدراسة الموضوع من زوايا ومقاربات متعددة ومختلفة،ويضمن دقة المداولة التي تمكن استفادة كل قاض من تجربة وخبرة نظيره في المهنة، كما آن المناقشة بين أعضاء الهيئة وتبادل وجهات النظر دورها المؤثر إيجابا، إذ يصدر الحكم في إطار من التشاور حول ما تثيره القضية من مشاكل قانونية فيكون أكثر عدالة وادعى لتقبله من طرف المتخاصمين.

كما أن القضاء الجماعي يدفع شبهة التحيز والمحاباة لطرف على حساب الطرف الآخر، إذ لا يمكن لقضاة هيئة الحكم أن يفضلوا متقاض على آخر، كما أن صدور حكم عن هيئة جماعية يقوي عزم القضاة ويجعلهم أكثر تصميما على تحقيق العدالة ويبعث في نفوسهم الطمأنينة، فيكونوا أبعد ما يكون عن أي التأثيرات، كخشية الانتقاد أو خشية المتقاضين،إذ يصدر الحكم عن المحكمة وينسب إليها بكامل هيئتها، وهذا يضفي عليه هيبة وينزله في نفوس المتقاضين منزلة، لا يحضى بها الحكم الصادر من قاض منفرد، وهو ما يحفظ للقضاء استقلاله ، فيكون القاضي أكثر تحررا في إبداء رأيه ولا يخشى تأثيرات أو ضغوط خارجية.

عموما فمزايا القضاء الجماعي تتحد في :

§        إمكانية التشاور بين القضاة

§        جودة الأحكام الصادرة عن القضاء الجماعي نتيجة إمكانية التشاور؛

§        استفادة القضاة من تجارب بعضهم البعض؛

§        الابتعاد عن الانتقادات التي يمكن أن توجه للقضاة مدام الحكم الذي نتج عن المداولة هو حكم
جماعي وليس فرديا.

v   عيوب القضاء الجماعي

يعاب على هذا القضاء أن القضية لا تدرس من بدايتها إلى نهايتها من جميع أعضاء الهيئة الجماعية، بل يتم تكليف عضو منهم ليسهر على تجهيز الملف وهو الذي يسمى بالقاضي المقرر، على اعتبار أنه يقدم تقريرا عن الملف خلال المداولة ، وغالبا ما يتم تبني القاضي المقرر، وفي هذا لا يختلف القضاء الفردي عن القضاء الجماعي، إلا في بطء إجراءات التقاضي وتعقيد المساطر وزيادة النفقات والمصاريف على كاهل الدولة ، على اعتبار أن هذا النظام يستلزم زيادة عدد القضاة.

 

موقف المشرع المغربي من  القضاء الفردي والقضاء الجماعي

قبل صدور القانون المتعلق بالمسطرة المدنية سنة  1974كان يأخذ المشرع المغربي بنظام القضاء الجماعي، بعد دخول المسطرة المدنية تخلى عن هذا النظام و أخد بنظام القضاء الفردي و بعد التعديل الذي طرأ على المسطرة المدنية بظهير 10.09.93عاد إلى مبدأ القضاء الجماعي و اعتبره هو المبدأ و استثناء يتم اللجوء إلى القضاء الفردي في بعض القضايا (الفصل 4من ظهير .) 10.09.93
بعد صدور القانون 15.03عاد المشرع ليعتمد على القضاء الفردي كأصل و القضاء الجماعي استثناء
السند القانوني (الفصل 4من قانون المسطرة المدنية)

 لكن القانون الجديد 34.10 جاء أكثر وضوحا في اعتماد المشرع المغربي على القضاء الفردي للمحاكم
الابتدائية حيث ينص الفصل الرابع من ذات القانون على أن "تعقد المحاكم الابتدائية، بما فيها
المصنفة، جلساتها مع مراعاة المقتضيات المنصوص عليها في الفصل 5بعده، وكذا الاختصاصات
المخولة لرئيس المحكمة بمقتضى نصوص خاصة، بقاض منفرد وبمساعدة كاتب الضبط، ماعدا
الدعاوى العقارية العينية والمختلطة وقضايا الأسرة والميراث، باستثناء النفقة، التي يبت فيها بحضور
ثلاثة قضاة بمن فيهم الرئيس، وبمساعدة كاتب الضبط".

وما يؤكد هذا التوجه إلى القضاء الفردي؛ الفقرة 2من المادة 2من قانون 42.10المتعلق بقضاء
القرب إذ تنص  " تعقد الجلسات بقاض منفرد و بمساعد كتابة الضبط و بدون حضور النيابة العامة".
المادة 347من قانون المسطرة الجنائية: "تعقد المحكمة جلساتها بالقاضي المنفرد و بحضور ممثل
النيابة العامة و مساعدة كاتب الدولة".

فيما عدا ذلك اعتمد المشرع القضاء الجماعي وفق ما يلي:

المحاكم  الابتدائية كدرجة استئنافية :

 تبت هذه المحاكم كدرجة استئنافية طبقا للشروط المحددة بمقتضى قانون المسطرة المدنية أو
الجنائية أو بمقتضى نصوص خاصة و في هذه الحالة تبت و هي مركبة من 3 قضاة بمن فيهم رئيس
المحكمة و بمساعدة كتابة ضبط محكمة الدرجة الثانية هي الأخرى تعتمد التشكيلة الجماعية بصريح الفقرة 1 من الفصل 7المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة و تنص على أنه تعقد محاكم الاستئناف جميع القضايا و تصدر قراراتها من طرف 3 قضاة و بمساعدة كاتب ضبط و تحت طائلة البطلان ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

 المحاكم التجارية و محاكم الاستئناف التجارية :

 المادة 5من قانون41.90 يتعلق بالمحاكم الإدارية الذي بموجبه تعقد محاكم الإدارية جلساتها و تصدر
أحكامها علانية و هي مكونة من 3 قضاة و يساعدهم كاتب ضبط و يتولى رئاسة الجلسة رئيس
المحكمة الإدارية أو قاضي يتم تعينه للقيام بذلك الجمعية العمومية السنوية لقضاة المحكمة
الادارية.
محاكم الاستئناف الإدارية :

 تعقد محاكم الاستئناف الإدارية جلساتها و تصدر قراراتها علانية و هي مركبة من 3مستشارين من
بينهم رئيس المحكمة يساعدهم كاتب الضبط.

مشروع القانون رقم :38.15

من خلال المادة 50من المشروع تنص على ما يلي:

 مع مراعاة الاختصاصات لرئيس المحكمة الابتدائية بمقتضى قانون المسطرة المدنية و قانون
المسطرة الجنائية أو نصوص قانونية خاصة تعقد المحاكم الابتدائية بما فيها المصنفة جلساتها
بقاضي منفرد، و بمساعدة كاتب الضبط عند وجود نص قانوني خاص أو في الحالة التالية التي يبت
فيها بهيئة مؤلفة من ثلاثة قضاة بما فيهم الرئيس و بمساعدة كاتب للضبط:

 القضايا العينية المختلطة؛

قضايا الأحوال الشخصية و بما فيها قضايا الأسرة، باستثناء قضايا الطلاق الاتفاقي و النفقة و أجرة

الحضانة والرجوع إلى بيت الزوجية و الحق في زيارة المحضون؛

القضايا الجنحية التي تتجاوز عقوبتها السالبة للحرية سنتين حبسا.

 القضايا التجارية المسندة إلى القسم المتخصص في القانون التجاري.

 القضايا الإدارية المسندة إلى القسم المتخصص في القضاء الإداري.

 إذا تبين للقاضي المنفرد أو لهيئة القضاء الجماعي تلقائيا أو بناء على طلب الأطراف، أو أحد الطلبات
الأصلية أو المقابلة أو طلبات المقاصة للنظر فيه أو الارتباط بالدعوى الجارية أمامها و أحيل ملف
القضية إلى رئيس المحكمة الذي يتولى هو أو نائبه إحالة القضية فورا إلى الهيئة المعنية.

 وفي جميع الأحوال لا يترتب البطلان عن بت هيئة القضاء الجماعي في قضية من اختصاص القضاء
المنفرد.

 

تاسعا : وحدة القضاء

اختلف الفقه حول هذه المسألة؛ هناك اتجاه يقول أن القضاء لا يشكل وحدة، لأنه لدينا محاكم ابتدائية و
محكمة النقض و المحكمة التجارية و المحكمة الإدارية و محكمة الاستئناف هذه المحاكم كلها تعبر
عن قضاء متعدد.

 أما الاتجاه الآخر يقول أن هناك قضاء واحدا، مادام أن جميع الأحكام يمكن الطعن فيها أمام محكمة
النقض فإننا لازلنا أمام وحدة القضاء.

 لكن بالرجوع إلى القانون الجاري به العمل حاليا، ومسودة مشروع قانون 38.15 المادة 5 يتبين أن التنظيم القضائي يرتكز على مبدأ وحدة القضاء، و تعتبر محكمة النقض أعلى هيئة قضائية بالمغرب يطعن أمامها من جميع محاكم الموضوع بالمملكة، بحيث لا يوجد هناك قضاء موازي لها، كما هو الشأن بالنسبة للقانون المصري أو القانون الفرنسي اللذين يعرفان تعدد الجهات القضائية ( مجلس الدولة، المحكمة الإدارية العليا..)  مما يعني معه أن القضاء المغربي يأخذ بوحدة القضاء و لا يأخذ بالقضاء المتعدد.

 من خلال هذا المشروع، يتبين أن المغرب يتمسك بوحدة القضاء، بحيث أن جميع القرارات الصادرة من جميع المحاكم يطعن فيها أمام  محكمة النقض .

 

 

 

 

 

 

 

ملتقيات طلابية لجميع المستويات : قانون و إقتصـاد

شارك هدا

Related Posts

التعليقات
0 التعليقات